السيد محمد الصدر

461

منة المنان في الدفاع عن القرآن

ثالثاً : أنَّهم عمليّاً ليسوا بمشركين بل موحّدين : أمّا اليهود فإنَّهم وإن كانوا يميلون إلى التجسيم ، إلّا أنَّ التجسيم لا يتنافى مع التوحيد ، وأمّا النصارى فلأنَّهم وإن آمنوا بالثالوث المقدّس ، إلّا أنَّهم يعتبرون الأهمَّ في الثلاثة هو الأب ، فهو الخالق حقيقة ، والباقي مخلوقون ، فعاد الأمر إلى نحوٍ من أنحاء التوحيد . رابعاً : أنَّ المشركين اسمٌ لعبدة الأصنام خاصّة : إمّا مطلقاً أو من كان منهم في الجزيرة العربيّة ؛ لأنَّ المعهود يومئذٍ هذان القسمان ، فكان مقتضى قاعدة ( كلّم الناس على قدر عقولهم ) هو الإشارة إليهم ، وإن كان يمكن التجريد عن الخصوصيّة من كلّ تلك النواحي . خامساً : ما ذكره القاضي عبد الجبّار قائلًا : إنَّه في أصل اللغة المشرك هو الكافر المخصوص الذي يتّخذ مع الله شريكاً ، لكن من جهة عرف الشرع أُطلق ذلك على كلّ كافر كما عقل من قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ « 1 » ومن قوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ « 2 » . فلا يمتنع أن يفضّل بينهما في بعض المواضع ، وهذا كما يقال مثله في المسكين والفقير « 3 » . أقول : إلّا أنَّ هذا الوجه بمجرّده واضح الدفع ؛ لأنَّه لا يحتمل أن يكون بين الفقير والمسكين إلّا نسبة التساوي أو التباين ، في حين أنَّ الآية تجعل النسبة بين الكفّار والمشركين العموم المطلق . سؤال : إنَّ قوله تعالى : الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ دالٌّ على أنَّ

--> ( 1 ) سورة النساء ، الآية : 116 . ( 2 ) سورة التوبة ، الآية : 5 . ( 3 ) تنزيه القرآن عن المطاعن : 472 ، سورة البيّنة .